عينٌ على سرّ الولادة
تشريحٌ في مرآة «الولادة أو الولوج إلى المعنى»
أن تجلس في حضرة ذاتك، أن تحاول أن تُبصر تشكّل الروح داخل الرحم، وولوجها نور الحقيقة… أن تفكّك السرّ لتكشف عن بعض الجوانب منه، كأن تضعه على الطاولة وتمسك المِشرط لتشرح دلالةً من دلالات المقصود، ليس بالأمر الهيّن؛ لأنه فعل يلامس جوهر التجربة، ويتعلّق بمحاولة فهم مكنون الكتاب بقراءة الذات.
الولادة مصطلحٌ فضفاض، يشبه انبثاق المعنى من عتمة التمهيد، أو شروق شمس الحياة، أو إعلان التجربة عن ميلادٍ جديد؛ ميلاد تشكّل الذات وارتقاء الوعي.
هي ميلاد سؤال، أو انعتاق عقلٍ حرّ من أسرٍ قديم.
في الولادة يلتقي الوعي بليله وشمسه، وتلك هي مقامات المعنى، أو سيرة النور.
الولادة هي الجمع بين السيرة الفكرية للأنا وسيرة الإنسان، وهي رحلة ضمّت: نهر العاطفة، والانغمار الروحي، وثورة العقل، فألّفت بين الثاني والثالث.
الولادة يمكن أن تتخطّى ما وراء النص، فهي حدثٌ جليل كما وصفتُه في التصدير.
وقد تساءلتُ في المقدّمة عنها:
هل هي لحظةُ انبثاق الزمن الفعلي من رحم اللازمن؟
أم سقوطٌ في بحر الجسد؟ أم ارتقاءٌ إلى عالم الفهم والمعاني، عبر ترويض العقل للنفس وتهذيب مجراها؟
وعدتُ للسؤال في الاعترافات الفلسفية، فأضفت:
ما الجسد؟
أهو أداةٌ معرفية تنقلنا إلى أعمق إدراك؟ أم فخّ الإغواء والضياع؟
أم لعلّه دليلٌ عابر إلى الروح في لحظة غروبها؟ أم متاهةٌ هائمة في بحر الهيدونية؟
الحديث هنا ثورةٌ ضدّ سطوة الجسد على الروح؛ فالجسد ذو مدلولٍ يتجاوز المفهوم الضيّق للمعنى، إذ يشمل كلَّ انجذابٍ مفرط نحو ما تمنحه الحياة من لذّاتٍ عابرة.
الولادة هي انفتاحٌ على الوضع المأزوم في زمن الحداثة، وانتقالٌ من شرنقة الأنا إلى نور الكون.
هي كتابٌ فلسفيٌّ نفسيّ، يعكس تجربةً ذاتيةً عميقة في البحث عن المعنى وسط زمنٍ حداثيٍّ متشظٍّ، ينطلق من سيرة وعي، مرورًا بتحليلٍ فلسفيٍّ لأزمات العصر، وصولًا إلى محاولة ترميم العلاقة بين الإنسان والوجود.
الولادة فعلٌ مفتوح على ثنائية الله والإنسان، تلك الثنائية التي تمثّل ركيزةً أساسية في بناء المعنى السليم. فالأزمة تنشأ من تفكّكها وذوبان أحد القطبين ثم الآخر، مما يؤدي إلى اختلال التوازن بين البعد الروحي والمادي.
الولادة فعلٌ مفتوح على الفلسفة، على قيمة السؤال، وعلى معنى الإنسان؛ هذا الكائن المعقّد الذي قال عنه أبو حيّان التوحيدي: «إن الإنسان قد أشكل عليه الإنسان».
الولادة أيضًا تشريحٌ لنفسٍ بُنيت على أسسٍ هشّة؛ على فقدان الأمان، وشراسة استرجاع المعنى بارتكاب الشرّ كفعلٍ تعويضي، وعلى الإنسان الحداثي الذي أضاع ذهب الصمت.
الولادة اعترافٌ طويلٌ وعميق، ليس بخطأٍ أو ذنبٍ مقترف، بل هو إضاءةٌ على زوايا الذات المظلمة، وعلى اضطراب الفكر إزاء ما يحدث في عوالمنا الخارجية، تلك التي ليست سوى مرايا تعكس ما يسكن أعماقنا من خوفٍ وجشعٍ وتناقضٍ وفوضى.
الولادة صرخةٌ في وجه التفاهة، ومحاولةٌ لإعادة الإنسان إلى مقامه الأوّل ككائنٍ روحيٍّ، عاقلٍ ومسؤول.
هي نصٌّ يسعى إلى أن يوقظ في قارئه الحنين إلى الجذور، أو يدفعه ليكون إنسانًا واعيًا في زمنٍ مأزوم.
إن كلمة «الولادة»، كما ذكرتُ في الخاتمة، متعدّدة الوجوه، تتوالد في كلّ مرةٍ بسياقٍ مختلف، وقد تتداخل معانيها لتنتج فسيفساء دلاليّة، وللقارئ كامل الحقّ في التأويل دون تضييقٍ لأبواب التفكير أو حصر الولادة في قالبٍ جامد
نُشر في جريدة أخبار الشرق - 15 أكتوبر 2025

طرح جميل ، ربي يوفقك
ردحذفمرورك الأجمل.. شكراً جزيلاً على الدعم
حذفاللهم آمين 🙏 ويوفقك أيضاً