العقل والجنون: بين وهم النظام وصدق الفوضى


  


"إن عقل الإنسان في نهائيته لا يشكل فعلاً شرارة للنور العظيم، بل هو جزئية من كلام. فأمام ذكائه المحدود لا تنفتح الحقيقة الجزئية والعرضية للظاهر. ولا يكشف جنونه سوى عن الوجه الآخر للأشياء، وعن جوانبها المظلمة، وعن التناقض المباشر لحقيقتها."

ميشيل فوكو، تاريخ الجنون، ص52




يقف الإنسان جاهلًا أمام نفسه والكون المهيب والموجودات؛ لذلك يتفلسف. أليس كل ما نعرفه أننا لا نعرف شيئًا، على حد قول سقراط؟ الوهم أن ندرك الجواب، والحقيقة أن المعرفة تضمحلّ أمام لغز الوجود.


من هنا يتفرّع السؤال عن الإنسان وجدلية العقل والجنون، وحول الفهم كمفهوم ملتبس في كينونة مبنية على الأضداد: على العقل ونقيضه. وأردت أن ألج إليه من باب التواضع في مواجهة التأليه والإفراط في تدليل العقل وحصر المعنى والمعرفة في بنائه الشخصي.

فهل الفهم وصول أم تعثر؟ هل هو تشييد للمعنى أم خرق لقوانين البناء والمنطق؟ هل ندرك حقًّا الأشياء كما هي؟ أم أن الفهم وهم يرتدي عباءة الحقيقة، بينما الجنون وحده يملك مفتاح الرؤية الصادقة؟


العقل يمنحنا أحيانًا طمأنينة مزيفة، إذ نتوهم امتلاك الحقيقة ونشعر بعظمة أفكارنا، لكن الجنون يكسر كبرياءه، ويوقظه من غفلته الواهمة، ويفك قيوده الصارمة وبناءه المحكم. فهل يمكن القول إن الجنون يعلّمنا التواضع برفضه لمنطق العقل؟ ربما هو الحيلة الوحيدة للإنسان كي يحطم أغلال التفكير ونظامه الجائر.


إن العقل، رغم ما يملكه من منطق وقدرة على البناء، يسقط أمام الحقائق الكبرى. فمعرفته لا تقوم إلا على إسقاطاته وتصوراته الجزئية، فيتوهّم أنه قد امتلك الحقيقة وهو لم يلامس سوى جزء منها أو طيفًا من أطيافها. أما الجنون، فيخترق المألوف ويهدم أوهام النظام، ليضع الإنسان وجهًا لوجه أمام هشاشته الأصلية وحقيقته العارية. وهكذا يفضح سراب العقل، ويكشف أنه ليس إلا كينونة جاهلة تتخفّى وراء قناع الفهم.


في تاريخ الجنون، يرى ميشال فوكو أن الجنون لم يكن يومًا مجرد خلل أو انحراف، بل فضاءً آخر للحقيقة. فالمجتمع الغربي، باسم "العقلانية"، همّشه وأسكنه المصحّات، لكنه في العمق كان يخشى صراحته. الجنون عند فوكو يكشف ما لا يجرؤ العقل على قوله: إنه يفضح هشاشة الإنسان، ويبيّن أن ما نسمّيه عقلًا ليس سوى بناء اجتماعي ينظّم الفوضى ويخفي الغموض.


أما نيتشه فيرى أن العقل مجرد حيلة دفاعية ضعيفة لجعل الحياة محتملة، إذ ينتج أوهامًا عن النظام واليقين كي يجنّبنا مواجهة الفوضى العميقة الكامنة في الوجود. والجنون، عنده، ليس مرضًا، بل لحظة تحرر من أثقال العقل المزيّف. في مولد التراجيديا، يقابل نيتشه بين الروح الأبولونية (العقل، النظام، الوضوح) والروح الديونيزوسية (الفوضى، السكر، الانفلات). ويقول إن الحقيقة لا تنكشف في صرامة المنطق الأبولوني، بل في الانغماس الديونيزوسي، حيث يهتز الإنسان، ينهار نظام العقل، وتتكشف له الحياة في عنفوانها العاري.


محصّلة القول إنّ العقل والجنون يشكّلان عالمين متلازمين ومرايا متقابلة: العقل نظامٌ واهم، والجنون فوضى صادقة. وكما يوضّح فوكو، "الجنون لا يمتلك معنى أو قيمة إلا داخل حقل العقل"، غير أنّ المفارقة تكمن في أنّ الجنون، بما هو انبثاقٌ من اللاوعي، يمنح أحيانًا صدقًا أعمق من العقل الواعي ذاته. إنّ العلاقة بينهما علاقة جدلية متوترة: فالعقل إذا أُلّه وتجاوز حدوده تحوّل إلى سلطة مغلقة، أما حين يعي محدوديّته فإنه يصير عقلًا معتدلًا، يعرف حجمه. والجنون، في المقابل، ليس نقيضًا يُلغى، بل مرآة مكسورة، تذكّر الإنسان دومًا بأنّ الحقيقة لا تُختزل في يقين العقل وحده.


نُشر في جريدة أخبار الشرق - 21 سبتمر 2025

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

من الألم إلى المعنى: سيرة فلسفية للكاتبة

عينٌ على سرّ الولادة

من البحث..إلى الولوج